الشيخ محمد الصادقي الطهراني

345

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

وتخرجه عند ازدراعها ، ولما كان اللّه سبحانه يخرج البرية من مضائق الأحشاء إلى مسافح الهواء ، ويدرجهم من الصغر إلى الكبر وينقلهم من الهيئات والصور ، كل ذلك على وجه الأرض ومن الأرض ، لذلك صح التعبير عنه بكونه نباتا وان لم يشمله على الإطلاق . أنت تبيع أحيانا ما عندك من البقل ، فأنت حقا بايع البقل ، فهل أنت إذا بقال ! . . انما البقال من شغله بيع البقل ، وكذلك النبات - حين إطلاقه - لا يشمل كل نابت من الأرض ، وإنما لقرينة خاصة كما هنا . فهذه الآية ونظائرها توحي بالوحدة بين أصول الحياة الأرضية مهما اختلفت نشئاتها وألوانها وأشكالها وأسماؤها ، وكلها من نبات الأرض . فالإنسان الأول نابت من تراب الأرض ، ثم نسله كذلك منها ، من ترابها ومائها وثمارها التي هي نتيجة التزاوج بين ما يخرج من بين الصلب والترائب ، ثم في الرحم ينمو بادواره وأطواره مما يصله من الأرض ونباتها ، ثم يعيش - بعد ما يولد - على هذه الأرض بما تنبت . وانباته نباتا دون إنباتا ، خلاف ما يقتضيه بناء فعله ، علّه للإشارة إلى أزواجية خلق الإنسان : من فعله تعالى : « الإنبات » وهو الأصل في خلقه ، ومن فعل الأرض الذي هو أيضا راجع إلى فعله : « النبات » فهو أنبتكم منها ، فنبتم منها نباتا بفعلها وتفاعلها ، وبما تزرعون وتأكلون فتولدون : فعل اللّه وفعل الخلق . فالأرض الأم هي التي تلده بما تلده أمه ، ثم تعيده في رحمها بعد انقضاء أجله ، ثم تلده ثانية لحياة الحساب والجزاء . ومن لطيف التناسب هنا أن السجود في الصلاة يفسر لنا عمليا هذه المراحل الثلاث ، فالسجدة الأولى للّه أن أنبتنا من الأرض نباتا ، نسجد شكرا له ولنشر برفع رؤسنا عن السجدة الأولى ، إلى سبب الشكر : أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً ثم نسجد ثانية ، إشارة إلى الإعادة ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها فالموت نعمة تتطلب الشكر كما الحياة نعمه ، ثم نرفع رؤسنا ثانيا إشارة إلى الحياة والولادة الثانية و